عين قشرة تحترق... حين تأكل النار ذاكرة المكان


لم تكن الشمس وحدها سيدة السماء.

كانت هناك شمس أخرى، أكثر قسوة، ولدت من بين أشجار الجبال، تمد ألسنتها الحمراء نحو كل ما هو أخضر، وتبتلع الطريق، والحجارة، والظلال، وحتى الصمت. أما الدخان، فقد ارتفع ببطء كستارة سوداء، ثم انبسط فوق المباني حتى بدا وكأن السماء قد استبدلت زرقتها بلون الرماد.

في ذلك اليوم، لم يكن الهواء يُستنشق... بل يُقاوم.

كل نفس كان يحمل طعم الخشب المحترق، ورائحة الأعشاب التي كانت، قبل أيام فقط، تعبق بالحياة. حتى الريح، التي اعتادت أن تهبط من أعالي الغابة باردةً ومنعشة، جاءت مثقلة بالدخان، كأنها خرجت لتوها من قلب فرن هائل.

الغابة في عين قشرة ليست مشهدًا طبيعيًا يُرى من بعيد، وليست لوحة خضراء تزين أطراف البلدة. إنها نبض المكان.

هي الذاكرة التي كبرت مع الأجيال، وهي الظل الذي احتمى به الرعاة، وهي الطريق الذي حفظ أقدام الفلاحين وهم يعبرونه مع الفجر نحو حقول الزيتون والتين والكستناء. هي اليد التي كانت تمنح الأرض خصوبتها، والهواء نقاءه، والإنسان شعوره الدائم بأن للطبيعة قلبًا يخفق بالقرب منه.

لكن النار لا تعرف لغة الذكريات.

تمر فوقها كما يمر النسيان فوق الوجوه القديمة.

في دقائق قليلة، تتحول الأشجار التي احتاجت عشرات السنين لتكبر إلى أعمدة سوداء، وتصبح الأغصان التي كانت تعج بزقزقة العصافير هياكل صامتة، كأن الحياة انسحبت منها على عجل، تاركة خلفها رمادًا دافئًا ورائحة خسارة لا تخطئها الذاكرة.

وكان النهار يزداد اختناقًا كلما اشتدت ألسنة اللهب. ثم جاءت العتمة في وضح النهار، حين انقطعت الكهرباء منذ الصباح، فاجتمع لهيب الحر، وسواد الدخان، وصمت البيوت، ليمنح ذلك اليوم ملامح كارثة لا تُنسى.

في مثل هذه الأيام، لا تحترق الأشجار وحدها.

تحترق مواسم كان ينتظرها الفلاح، وتحترق أعشاش الطيور التي لم تعرف إلى أين تفر، وتحترق الحكايات الصغيرة التي كانت تنبت بين أغصان الغابة مع كل ربيع. حتى الطفل الذي يشاهد الجبل يشتعل، يدرك لأول مرة أن للأماكن أيضًا قلبًا يمكن أن يحترق.

ولأن هذه المأساة تتكرر مع كل صيف، فإن الوجع لم يعد في الحريق نفسه، بل في اعتياده. أن يصبح الدخان جزءًا من المشهد، وأن تتحول الحرائق إلى خبر موسمي، بينما تتراجع الغابة عامًا بعد عام، وتتسع رقعة الرماد على حساب الخضرة.

إن عين قشرة لا تفقد أشجارًا كل صيف، بل تفقد صفحات من ذاكرتها.

وكل شجرة تسقط بالنار، كأن فصلًا كاملًا من كتاب المكان يُنتزع إلى الأبد.

ويبقى السؤال معلقًا فوق الجبال السوداء: كم مرة يجب أن تحترق الغابة حتى نتعلم أن حماية الشجرة ليست دفاعًا عن الخشب، بل دفاع عن الإنسان، وعن ذاكرة الأرض، وعن المستقبل الذي يبدأ دائمًا من غصن أخضر.

ليست هناك تعليقات :

مدونة عالم ياسر تصميم ياسر بوغابة © 2015